محمد بن جرير الطبري
300
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
كَمْ عَمةٍ لَكَ يا جَرِيرُ وَخَالَةٍ . . . فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي ( 1 ) * * * فإن قال قائل : فإن الله تعالى ذكره إنما أخبر أنه " أهلك قرًى " ، فما في خبره عن إهلاكه " القرى " من الدليل على إهلاكه أهلها ؟ قيل : إن " القرى " لا تسمى " قرى " ولا " القرية " " قرية " ، إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم ، ففي إهلاكها إهلاك مَنْ فيها من أهلها . * * * وقد كان بعض أهل العربية يرى أن الكلام خرج مخرج الخبر عن " القرية " ، والمراد به أهلها . * * * قال أبو جعفر : والذي قلنا في ذلك أولى بالحق ، لموافقته ظاهر التنزيل المتلوّ . * * * فإن قال قائل : وكيف قيل : ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون ) ؟ وهل هلكت قرية إلا بمجيء بأس الله وحلول نقمته وسَخَطه بها ؟ فكيف قيل : " أهلكناها فجاءها " ؟ وإن كان مجيء بأس الله إياها بعد هلاكها ، فما وجه مجيء ذلك قومًا قد هلكوا وبادوا ، ولا يشعرون بما ينزل بهم ولا بمساكنهم ؟ قيل : إن لذلك من التأويل وجهين ، كلاهما صحيح واضح منهجه : أحدهما : أن يكون معناه : " وكم من قرية أهلكناها " ، بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنزلنا إليها من البينات والهدى ، واختيارها اتباع أمر أوليائها المُغْوِيتِهَا عن طاعة ربها ( 2 ) = " فجاءها بأسنا " إذ فعلت ذلك = " بياتا أو هم قائلون " ، فيكون " إهلاك الله إياها " ، خذلانه لها عن طاعته ، ويكون " مجيء بأس الله إياهم " ، جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم .
--> ( 1 ) ديوانه : 451 ، والنقائض : 332 ، وقد سلف هذا البيت وشرحه في تخريج بيت آخر من القصيدة 9 : 495 ، 496 ، تعليق : 1 . ( 2 ) في المطبوعة : ( ( المغويها ) ) ، وأثبت ما في المخطوطة .